في إنجازٍ علمي جديد يعكس الحضور المتنامي للبحث الأكاديمي العراقي في المحافل العلمية الدولية، شارك التدريسي في كلية الطب بجامعتنا، أ.د علي طارق عبد الحسن العبودي ببحثٍ علمي بعنوان “PS45 Dermatossemiotics: moving towards person-centred care in psychodermatology”، والمنشور في British Journal of Dermatology، ضمن المجلد (195) والعدد التكميلي الأول (Supplement 1)، بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026، عبر منصة Oxford Academic التابعة لدار نشر جامعة أكسفورد، وبمعرّف رقمي DOI: 10.1093/bjd/ljag086.660.
ويقدم البحث طرحًا نظريًا جديدًا في مجال السيميائيات الجلدية (Dermatosemiotics)، يعيد النظر في العلاقة بين الجلد والإنسان والتجربة النفسية والمعنى، متجاوزًا الرؤية الاختزالية التي تتعامل مع المرض الجلدي بوصفه ظاهرة بيولوجية منفصلة عن السياق الإنساني للمريض.
وتنطلق هذه الرؤية من اعتبار الجلد ليس عضوًا بيولوجيًا فحسب، بل حاملًا للمعنى وعلامةً تتقاطع فيها الأبعاد الجسدية والنفسية والاجتماعية والوجودية، إذ تقترح السيميائيات الجلدية قراءة المرض الجلدي ضمن شبكة من العلامات والدلالات والخبرات التي يعيشها المريض.
ويسعى هذا التوجه إلى الانتقال من النظر إلى المرض باعتباره كيانًا مرضيًا منفصلًا عن صاحبه، إلى نموذج الرعاية المتمحورة حول الشخص (Person-centred care)، الذي تصبح فيه تجربة المريض المعاشة جزءًا أساسيًا من الفهم السريري والعلاجي.
وعلى وفق هذا المنظور، لا يكون المرض الجلدي مجرد تشخيص، بل يمكن قراءته بوصفه نصًا إنسانيًا مفتوحًا على التأويل، يتشكل من العلامات الجسدية والسرد الشخصي والخبرات النفسية والعلاقات والسياق الثقافي والاجتماعي، ضمن شبكة من النصوص والعلامات المتداخلة، بما يفتح المجال أمام مفهوم المرض كنص وتناص (Intertextuality).
ويتقاطع هذا الطرح مع الاتجاهات الحديثة في البحوث الصحية التي تركز على عالم حياة المريض (Lifeworld) وتجربته المعاشة، وفهم المعنى الذي تمنحه التجربة المرضية لحياة الإنسان، بدلًا من اختزاله في تشخيصه الطبي فقط، وتكمن أهمية البحث في سعيه إلى بناء جسر معرفي بين العلوم الطبية والعلوم الإنسانية، عبر الجمع بين طب الجلدية والطب النفسي الجلدي وعلم النفس والسيميائيات والهرمنيوطيقا والظاهراتية، بما يتيح فهم المرض بوصفه ظاهرة طبية وإنسانية في آنٍ واحد.
كما ينسجم هذا الطرح مع التوجه العالمي المتنامي نحو البحوث البين تخصصية (Interdisciplinary Research) والبحوث العابرة للتخصصات (Transdisciplinary Research)، التي تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات بهدف إنتاج معرفة أكثر تكاملًا وارتباطًا بتجربة الإنسان.
ويطرح البحث سؤالًا يتجاوز حدود التشخيص التقليدي: ماذا يعني المرض الجلدي للإنسان الذي يعيشه؟ ومن خلال هذا التساؤل، تتحول العلامة الجلدية من مجرد ظاهرة تُلاحظ وتُقاس إلى ظاهرة يمكن فهمها وتأويلها ضمن عالم المريض وتجربته المعاشة، بما يعزز مفهوم الرعاية الصحية المتمحورة حول الإنسان.
ويمثل هذا الطرح خطوة باتجاه تأسيس رؤية نظرية جديدة في مجال الطب النفسي الجلدي، تجمع بين الجسد والمعنى، والمرض والتجربة، والعلامة والتأويل، والطب والعلوم الإنسانية، بما يعزز حضور البحث العلمي العراقي في المسارات البحثية الحديثة ذات الطابع البين تخصصي والعابر للتخصصات.